
تقف مكتبة "ببليوتيكا باركيه إسبانا" بتكوينها الثلاثي شبه الحجري، والذي قام بتصميمه المهندس المعماري "جيانكارلو مازانتي"، على حافة التل المطل على مدينة "مدلين"، ثاني أكبر مدن كولومبيا.
هذا التصميم المتناغم مع البيئة والذي أقامه "مازانتي" في ذلك المكان يوفر لزوار المكتبة منظرًا جميلا لأسفل التل، بينما يقدم لسكان المدينة خلفية طبيعية متسقة مع المكان، وهو ما يعكس نظرية "إدوارد أوزبورن ويلسون" التي تقول إن صلة البشر مع الطبيعة لها جذور غريزية وتطورية. ولعل ذلك هو أحد الأسباب التي ساعدت المكتبة في تحسين وضع مدينة "مدلين" – ومنطقة "سانتو دومينجه سافيو" كلها – منذ اكتمال المشروع في أغسطس 2007م، مما لعب دورًا في المبادرة الرسمية المستمرة لتعزيز المكتبات في جمهورية كولومبيا.

تتكون الجلاميد الثلاث التي تشكّل المكتبة من الفولاذ المقوى، وتغطيها طبقة من الحجارة السوداء المتأكسدة بنسبة 30%. فرغبة "مازانتي" في إنشاء امتداد جبلي دفعته لتشكيل كل جوانب المبنى بشكل يجعلها تماثل التكوينات الصخرية، مستخدمًا في ذلك مزيجًا من الحواف الحادة والناعمة في مناطق التقاء الجوانب المختلفة، وواضعًا النوافذ بصورة عشوائية ليعطي انطباع الصخور الطبيعية المشوبة. ومع تدقيق النظر، يمكن رؤية بقع فضية متناثرة عشوائيًا على واجهات المبنى. والغريب أن تلك الواجهة الخشنة لا تزيد على كونها طبقة رفيعة تعزلها قضبان فولاذية – يمكن رؤيتها من الداخل – عن الهيكل الرئيسي للمبنى، مما يفصل بين الطيقة الخارجية وبين الهيكل الحقيقي للمبنى، ويبرز مرة أخرى مبادئ التصميم الطبيعية التي اعتمدها "مازانتي".

أما وراء تلك الطبقة الخارجية الرفيعة، تحتوي "الببليوتيكا" على الخدمات الثقافية والاجتماعية لأي مكتبة، كالمركزين الاجتماعي والثقافي، موزعة بين الجلاميد الثلاث التي تتفاوت في أطوالها وتتصل ببعضها البعض عن طريق قاعدة ممتدة أسفل المبنى. ولكي تكون المكتبة قادرة على تزويد المجتمع من حولها بفعاليات مختلفة، هناك قاعة محاضرات، ومعرض فنون، ومناطق تعليمية، ومنابر لعرض وجهات النظر، على مساحة تغطي 10 آلاف كيلو متر مربع. لكن خلق هذه الحياة بداخل تكوين صخري احتاج لمظهر متعارض تمامًا مع ما يبدو من الخارج، ولذلك فقد استخدم "مازانتي" مزيجًا من الطلاء الأبيض والأخضر، بالإضافة إلى الأخشاب فاتحة اللون وعدد من الأسطح الزجاجية الخضراء. هكذا تحولت المساحة الداخلية لمكان جذاب محبب، عندما اجتمع كل ذلك مع الضوء الطبيعي القادم عبر الغطاء الرفيع شبه الحجري للمبنى.
لكن المكتبة لم ترفع من منزلة "مدلين" الثقافية فحسب، بل إنها حلت مشكلة موقعها الطبيعي أيضًا، حيث إن
موقعها على قمة التل، وهيكلها الفولاذي والأسمنتي عَمِلا كحائط عازل، يحميان المنازل المقامة بالأسفل من الانهيارات الصخرية التي كانت متكررة الحدوث فيما مضى. وقد تم تصميم عملية الوصول للمشروع عن طريق سيارات محمولة على كابلات، مما يعطيك الإحساس وكأنك تطفو صاعدًا لقمة التل.

لا يمكننا وصف مكتبة "ببليوتيكا باركيه إسبانا" إلا بأنها تمثيل ممتلئ لدلالات البيئة الصخرية والجبلية المحيطة بها، مولدة بذلك ما يبدو وكأنه استمرار للمشهد الطبيعي الموجود بالأسفل، ولكن مع الحفاظ على قدر من الاختلاف يميزها عمل حولها. هكذا تقف "الببليوتيكا" بشكلها الأيقوني المميز، والذي يذكرنا بالأكروبوليس اليوناني، ليراها كل من يرغب برفع عينيه نحو السماء حالمًا بمستقبل أفضل، بعد تلك السنين الكئيبة التي شهدت حرب عصابات المخدرات في "مدلين".
BACK TO ISSUE 103 |