
منذ إنطلاق ألعاب الفيديو إلى حياتنا فى بداية الخمسينيات، حاول صانعو الألعاب إبتكار ألعاب أكثر واقعية، مدفوعين برغبتهم ربما فى زيادة المبيعات وإضفاء المرح على حياتنا أو العثور على طريقة لمنح البشر صفة الخلود. فالألعاب هى طريقة جديدة تزودنا بالحياة تلو الأخرى دون أن تظهر جملة تقول لنا انتهت اللعبة أو(Game Over )، دون موت أو مقابر ودون أن يحفر أحد هذه المقابر بعد آلاف السنين لكى يتساءل كيف عشنا؟ وذلك لأننا لم نمت أبدًا منذ البداية.
ولمحاكاة هذه الألعاب للواقعية كان لابد من تطوير عناصر أساسية فيها كالبيئة والشخصيات والإضاءة والأصوات وفى بعض الأحيان الرائحة، لذلك تم تطوير الألعاب والأجهزة والماكينات التى تساعد على خلق مناخ مماثل للواقع لأغراض اللعب والتدريب، وكذلك من أجل الوصول للهدف الأساسى وهو إسدال ستار الوهم الرقمي أمام أعيننا. هذه التطورات قادتنا من قفزة تكنولوجية الي أخرى ونحن الآن فى قمة واحدة من هذه القفزات التكنولوجية والتى يطلق عليها بعض الأشخاص "الجيل القادم من الألعاب" أو (Next-Gen Games) .
واحدة من هذه الألعاب التي سجلت بداية حقبة "الجيل القادم من الألعاب" هي لعبة" أساسينس كريد" (Assassin’s creed) وهي ليست مجرد لعبة فيديو عادية لأنك إذا نظرت لها عن كثب وجدت كمًا هائلا من المجهود المبذول في تصميم كل جزء بها على المستوى البصري وأيضًا التفاعلي الرقمي وهو شئ يظهر بشكل واضح. ومن أجل خروج هذه اللعبة بهذا المستوى الرائع، قضى 300 مصمم ومبرمج وفنان صنع الألعاب أربع سنوات لكى تخرج هذه اللعبة الى الحياة.
التحدى الأكبر الذى واجه مصنعى تلك اللعبة كان يبدأ من تصميم المناظر والبيئة المحيطة لبطل اللعبة إلى أصغر التفاصيل في كل عربة أو إبريق أو مبنى في المدن الثلاث التى تدور فى إطارها هذه اللعبة، بالإضافة الى ذلك فإن هذه التفاصيل تم تصميمها لتكون متفاعلة كلها وبلا إستثناء وهو شيء لم تحظ به أي لعبة فيديو من قبل. فكل جماد يمكن الإمساك به أو إلقاؤه أو القفز من فوقه أو ببساطة تحريكه من مكانه مما أدى إلى صنع آلاف الشخصيات لملء هذا الفراغ الشاسع لزيادة الإيحاء بالواقعية.

وكانت العمارة أحد أهم العناصر التفاعلية وهي أكثر العناصر أهمية وابتكارًا في المشروع ككل، ويرجع ذلك الى أن المصممين وضعوا أمام أنفسهم تحديًا كبيرًا فى هذه اللعبة وهو أن تصبح أى نتوءات تزيد أبعادها عن خمسة سنتيمترات في أي جزء أو واجهة أو بناء متفاعلة. وهو الشئ الذى سهلته عمارة العصور الوسطى، فاللعبة تدور أحداثها في عام 1191 م وعمارة هذه الحقبة من الزمان كانت تمتاز بتفاصيل كافية لتسمح لبيئة حرة كهذه، تفاصيل مثل أعتاب الأبواب والأقواس والأحجار والأبنية والأبواب الحديدية للقلاع والكباري والألواح الخشبية وسواري العلم والكرانيش مما يمّكن بطل اللعبة من استخدامها والإمساك بها كعناصر متفاعلة.
وقد تم تجميع ووضع العناصر المعمارية في بيئة البلدة الرقمية للعبة عن طريق ابتكار عدد هائل من الوحدات والقوالب تسمى "نظام الليجو" أو (Lego System) وعندما يتم تجميعها يكون العمل بها أسهل كنموذج في التصميم عن أن يتعامل المصممون مع كل سطح للمبنى على حدة. هذه النماذج كانت أول خطوة في صنع البيئة الخاصة باللعبة كاملة، فباستخدامها يقوم المصمم بصنع الطرقات والمساحات والغرف.
وللحفاظ على الواقعية تم تصميم عمارة اللعبة وتفاصيلها بناء على نماذج وصور وأوصاف تاريخية وديكورات هذه الحقبة المعروضة في المتاحف. وعلى الرغم من ظهور بعض الاختلافات في بعض الأبعاد - لتحقيق أهداف التفاعلية أو لخلق أوضاع أكثر إثارة وخطورة – إلا أن كل بناء لا يزال يعتبر سطحًا متفاعلا كاملا للاعب ويزيد مرونة اللعبة بشكل هائل. وهذه المرونة المضافة الى اللعبة تقودنا بدورها الى تحد آخر ومختلف وهو التجوال ثلاثي الأبعاد الحر الناتج عن الطرق المختلفة المتاحة للاعب ليتبعها. هذا الشكل المتعدد الطبقات يختلف اختلافا كليًا عن مستويات الألعاب المألوفة السابقة والتي يجب أن يتخطاها اللاعب واحدة تلو الأخرى ليصل الي النهاية ويفوز. وهو ما شجع المصممين ليعملوا على التفاصيل وترتيب قوالب الليجو (Lego Blocks) للتحكم في مثل هذا المحيط المعقد والمترابط وللحفاظ على الفكرة الأساسية وقصة اللعبة دون التضحية بالمميزات الجديدة.
ومما ساهم أيضًا في تعزيز التجربة الواقعية في اللعبة، هي التكنولوجيا المتقدمة الواضحة في الأجهزة التى تقوم بإدارة اللعبة، والتي تلعب دورًا في إعطاء التجربة عمقًا أكثر وحسًا أكبر بالواقعية، حيث مكنت الوحدات المتعددة التشغيل من إجراء حسابات سريعة أثناء اللعبة يتم أخذها فى الحسبان فى كل تفصيل من تفاصيل اللعبة لإعطاء شعور واقعي لكل حركة مثل وزن كل شخصية وكل جماد. هذة الأجهزة ببرامجها المتطورة شديدة السرعة دمجت الوقت الحقيقي مع أي حركة يختار اللاعب أن يقوم بها حتى تلقي الإضاءة بظلال واقعية لتعزيز قوام المباني وموادها للتأكيد على أن العناصر المعمارية لم تصمم فقط لتتفاعل وتتحرك بشكل جيد بل وأيضًا ليكون شكلها حقيقيًا.
إن لعبة "أساسينس كريد" أو (Assassin’s Creed) قامت بتصوير الواقعية من خلال التصاميم المعقدة والعناصر المتفاعلة وكذلك المرونة المنسوجة في تفاصيل قصتها. وهي بذلك تضيف لألعاب الفيديو واحدة من أهم صفات الحياة البشرية وهي "القدرة على الاختيار"، مما يشعر البعض بأننا اقتربنا من الوقت الذي سيكون فيه الواقع داخل "واقع الماتريكس الرقمي" هو الواقع الحقيقي الوحيد.
BACK TO ISSUE 102
|